قناديل ملك الجليل
قناديل ملك الجليل - ابراهيم نصرالله
عدد الصفحات - 556
"في قديم الزمان، حين لم يكن على الأرض أناس بعد، كانت الفضائل والرذائل تطوف العالم معًا، وتشعر بالملل الشديد! ذات يوم، وللخروج من هذا الملل، اقترح الجنون لعبة، وأسماها الاستغماية. تعرفها، أليس كذلك؟!
أحب الجميع الفكرة، وصرخ الجنون: اريد ان ابدأ.. أريد ان ابدأ! أنا صاحب الفكرة وأنا من سيُغمض عينيه ويبدأ العدّ؛ وأنتم عليكم الاختفاء! ثم انه اتكأ بمرفقيه على شجرة، وبدأ: واحد.. اثنان.. ثلاثة.. وبدأت الفضائل والرذائل بالاختباء.
الرّقة وجدت مكانًا لنفسها في القمر، واخفت الخيانة نفسها في كومة الطين، واندسّ الأمل بين الغيوم.
الكذب قال بصوت عال: سأخفي نفسي تحت الحجارة. ومضى الشّوق إلى قعر بحيرة طبرية. واستمر الجنون: تسعة وسبعون.. ثمانون.. واحد وثمانون.
خلال ذلك أتمّت الفضائل والرذائل اختباءها، ما عدا الحبّ، كعادته، لم يكن صاحب قرار! وهكذا، لم يعرف اين يختفي. وهذا غير مفاجئ لأحد! فنحن نعلم كم هو صعب إخفاء الحب!
تابع الجنون: خمسة وتسعون.. ستة وتسعون.. وعندما وصل الى مائة، قفز صائحًا: انا آت اليكم.. انا آت اليكم!
كان الكسل أول من انكشف، لأنه لم يبذل أيّ جهد في إخفاء نفسه! ثم ظهرت الرّقة المختفية في القمر. وبعدها الأمل، وخرج الشوق من قاع البحيرة مقطوع النفس!
لقد وجدهم الجنون جميعًا، واحدًا بعد الآخر، ما عدا الحبّ. فكاد يصاب بالاحباط واليأس. لكن الحدس اقترب منه وهمس في اذنه: الحب مختفٍ في شجيرة الورد!
التقط الجنون شوكة كبيرة كرأس رمح، وبدأ بطعن شجيرة الورد، ولم يتوقّف إلا عندما سمع صوت بكاء يمزّق القلوب. ظهر الحب وهو يحجب عينيه بيديه، والدم يقطر بين اصابعه، صاح الجنون نادمًا: يا الهي ماذا فعلت؟ ماذا افعل كي اصلح غلطتي بعد أن افقدتك البصر؟!
أجابه الحب: لن تستطيع اعادة النظر إليّ، لن تستطيع.
مرّت الأيام والحزن يخيم على كل شيء، وذات صباح عاد الجنون وقال للحب: أريد ان اصلح غلطتي، ساعدني!
-هل انت متأكد من ذلك، أيًا كان ما سأطلبه منك؟!
فقال الجنون: سأفعل كل ما تريد.
أطرق الحب، وبعد صمت طويل قال:
-كن دليلي.
-أنا؟
-نعم أنت
وهذا ما حصل منذ تلك الايام: يمضي الحب في الأرض اعمى، يقوده الجنون"
.png)
